حوار مع فضيلة الشيخ خلدون عبد العزيز مخلوطة
كتبهاماهر سقا اميني ، في 13 نوفمبر 2009 الساعة: 11:19 ص
حوار مع فضيلة الدكتور خلدون عبد العزيز مخلوطة
اجرى الحوار:ماهر سقا أميني
الاسم: خلدون عبد العزيز مخلوطة، ولد بمدينة حماة في سوريا سنة 1962م، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفقه،له مؤلفات قيمة مابين تاليف وتحقيق ،إمام وخطيب مسجد الحمرية بدبي.
1- أ-فضيلة الشيخ: تلقيتم العلم في مؤسسات التعليم النظامي (المدارس) وفي المساجد على أيدي علماء فاضلين، ما الذي قدمه لكم هذان التعليمان؟.
تلقي العلم في المدارس والمساجد يعود على المتلقي بفوائد جمة، لأنه يجمع بين الجديد والقديم، الأصالة والمعاصرة، ذلك أن التعليم النظامي يوسع آفاق المتعلم فيعيش واقع الحياة، كما ان دراستي للمواد العلمية في المرحلة الثانوية أكسبتني مهارات سهلت لي فهم العلوم الشرعية المختلفة.
وتلقي العلم على يد العلماء في المساجد له آثاره الإيجابية، حيث انصبغت تلك العلوم بصبغة الإيمان، فكانت تعاليم الدين توجهني التوجيه الصحيح، وتبعدني عن مزالق الإلحاد والانحراف، وهذا ما أحدث في نفسي دافعا قويا في تلقي العلم، جعلني في حالة من الاستقرار والسعادة.
أ- وما الذي وجدتموه في المساجد ولم تجدوه في المدارس؟
للمسجد خصوصية تضفي على طالب العلم نوراً وإشراقاً، يشعر المتلقي فيها بالسكينة والطمأنينة، ومن هنا ندرك سر قول النبي صلى الله عليه وسلم (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله) فهو وإن كان لا يعني الخصوصية ولكن تبقى دلالة (بيوت الله) لها رونقها وتألقها.
ج- ما رأيكم في التعليم المدرسي اليوم ومؤسساته؟
نعاني اليوم من إشكالات كبيرة أهمها غياب المنهج التعليمي الإسلامي الذي يتوافق مع نظرة الإسلام للكون والإنسان والحياة والدار الآخرة، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بتخريج الأستاذ المربي وتطويره، فبدلاً من تغيير المناهج بصورة متسارعة كان الأولى بذل الجهود والأموال في تحسين أداء المدرس، كما أننا نعاني من عدم تعويد الطالب على القيام بنفسه بالبحث وتدريبه على أصوله.
2- أ- نعيش اليوم أزمة أخلاقية واضحة تظهر في كل مجالات الحياة، ما السبيل إلى العودة إلى الأخلاق الإسلامية العظيمة في رايكم.
يعمل الإسلام على إشاعة المحبة والمساواة والتضامن والعدالة والتعاون بين أفراد المجتمع، وهذا من خلال إحاطة الإنسان بمناعات عقائدية وتشريعية، وضوابط أخلاقية، وإننااليوم أمام أزمة أخلاقية تتمثل في سوء تعامل الإنسان مع ربه أولاً، ثم مع نفسه، ثم مجتمعه، وهذا ممايجب ان يهيب بالعلماء الى سرعة تشخيص هذه الأحوال ووصف العلاجات المناسبة، وأهم الوسائل التي تساعد الإنسان في رقي أخلاقه وتهذيب نفسه: 1-أن الأخلاق يمكن تقويمها وتعديلها، واكتساب الجيد منها والتخلي عن قبيحها، 2-معرفة أنواع الأخلاق الحسنة التي أمر بها الإسلام، وأنها عبادة يتقرب بها إلى الله، وكذلك معرفة أنواع الأخلاق الرديئة التي نهى عنها، وأنها سبب سخط الله ودخول النار،3- الإرادة الصادقة في التغيير.
3- و لكن كيف يمكن تحويل هذه الأخلاق إلى واقع لدى الأجيال؟
هناك أمراض تصيب النفوس والقلوب، فتظهر في خلق قبيح وسلوك مشين، وقد أوضح علماء التربية والسلوك وسائل معالجة القلوب، وطرق اكتساب الأخلاق الربانية، منها: 1-أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلع على خفايا الآفات، يأخذ عنه العلم والتربية معاً، 2-أن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً، يلاحظ أحواله وأفعاله، وينبهه وينصحه 3-معرفته بعيوب نفسه من ألسنة أعدائه، ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكر عيوبه، أكثر من انتفاعه بصديق مداهن 4-أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموماً فيهم ابتعد عنه، فيرى في عيوب غيره عيوب نفسه 5-الحرص على لقمة الحلال لأنها أساس كل نعمة وخلق فضيل، ولقمة الحرام أساس كل نقمة وخلق ذميم، قال الشيخ زروق: (أصل كل خير اللقمة والخلطة، فكل ما شئت فمثله تفعل، واصحب من شئت فأنت على دينه)، 6-مجاهدة النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه)، فمن أراد أن يتخلق بالجود فعليه تكلف تعاطي فعل الجود، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه، حتى يصير بذلك طبعاً وسجية، وهكذا بقية الأخلاق.
أ-فضيلة الشيخ: الحلال بين والحرام بين والشبهات قليلة وأمرها هيِّن، يرى البعض ان الأمر لا يحتاج لكل هذا التفصيل الذي امتلأت به كتب الفقه؟
لا شك أن الحلال بيِّن وواضح في كتاب الله وسنة رسوله، وكذلك الحرام، إلا أن هذا يمثل قاعدة كلية تحتوي على كثير من الجزئيات التي تدخل في مجالات متعددة، ابتداءا من العبادات والمعاملات وانتهاءا بالسلوك والأخلاق، وهذا يحتاج لعلم بحقيقة الحلال والحرام من خلال البحث في دلالة النصوص وتحري الضوابط والحدود، حتى لا تمتد يد العابثين للتلاعب بدين الله وتمييعه، وكذلك الشبهات فهي وإن كانت قليلة مقارنة بالحلال، لكن أمرها ليس بالأمر الهين، لأن التساهل بها يؤدي إلى الانجرار بعد ذلك في المحرمات.
ب-ألا تعتقدون أن ما يسمى بالتراث الفقهي الموجود في المكتبة الإسلامية يحوي الكثير من التكرار والتفصيل في فروع الفروع دون فائدة ترجى؟
الفقه الإسلامي بنيان شامخ متين، ومفخرة من مفاخر الأمة، نشأ وتطور عبر قرون طويلة، وشهد بعظمته كبار رجال القانون المعاصر، لما امتاز به من المرونة. وفي وقتنا الحاضر يواجه الفقه الإسلامي حملة شعواء تهدف إلى تشويهه من طرفين: 1-طرف عمل فيهم الغزو الفكري الأجنبي، فأصبحوا غرباء عن أمتهم في تفكيرهم وثقافتهم، فهم يتسترون بالهجوم على الفقه الإسلامي، والحقيقة إنهم يقصدون الخروج عن الكتاب والسنة، لأن الفقه عبارة عن فهم منضبط لهذين الأصلين، 2- بعض المنتسبين لهذا الدين، اتصفوا بضعف في ملكاتهم الفقهية، وشح في رصيدهم اللغوي والفقهي لأنهم لم يمارسوا قراءة الفقه، فراحوا يصفونه بالصعوبة والتعقيد، وما علموا أنهم بذلك يخدمون أعداء الأمة.
أما عن التفاصيل الكثيرة التي امتلأت بها كتب الفقه فإنها تدل على غزارة هذه المادة وحيوتها، لأنها غطت كثيراً من المستجدات والحوادث، كما أنها وسّعت من آفاق المتفقِّه، وفي هذا تحفيز للعقل وإثارة للفكر.
4-فضيلة الشيخ هناك من يقول أن علم أصول الفقه قد وضع بطريقة من يريد أن يصل إلى أحكام معينة، فمثلاً قاعدة " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، لا تنظر في طبيعة الظرف المرحلي التاريخي والمعرفي الذي جاء فيه النص، فما هي الأسس التي تجعلنا نقبل بقواعد هذا العلم وهي في الأصل كما يقال من وضع البشر.
علم أصول الفقه: عبارة عن مجموعة من القواعد العامة التي تستخدم في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة الشرعية، كالقاعدة التي تقول: (الأمر يفيد الوجوب) وذلك كقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) أفادنا وجوب الصلاة بناء على إطلاق الأمر في قوله (أقيموا)، وكذلك قولهم (النهي يفيد التحريم)، وذلك كقوله تعالى (ولا تقربوا الزنى) أفادنا تحريم الزنا بناء على إطلاق النهي في قوله (ولا تقربوا)، والفقيه في حاجة ماسة لهذا العلم لأنه يضع له منهجاً علمياً في البحث، وقانوناً عاصماً للذهن من الخطأ في الاستدلال.
و هذه القواعد استخرجها العلماء بعد استقراء نصوص الكتاب والسنة، والبحث في مفردات اللغة ودلالاتها، وهي معروفة لدى الصحابة سجية وسليقة وان لم تكن بهذه المصطلحات، فهم يمارسونها عملياً عند تعرفهم للحكم الشرعي، ثم جاء العلماء بعدهم فضبطوها وأصلوها بهذه القواعد، كما فعل علماء النحو عندما وضعوا قواعد اللغة، والعربي القديم ينطق بذلك سليقة دون معرفته بهذه المسميات.
أما عن قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) فتعني أنه إذا ورد نص في القرآن والسنة بصيغة العموم، وكان سببه حادثة وقعت من شخص معين، وليس هناك من القرائن ما يدل على التخصيص، فإن دلالة النص تبقى على عمومها، فمثلاً الآيات الواردة في حكم الظهار نزلت في حق أوس بن الصامت رضي الله عنه، ولكنها جاءت بصيغة تعم كل من وقع في نفس الحال فقال تعالى: (والذين يظاهرون منكم من نسائهم).
أما عن الظرف التاريخي والمعرفي للنص فهناك حقائق لا تتبدل ولا تتغير بتبدل الزمان والمكان، فكلمة الهواء لا يقول عاقل بأن دلالتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم غير دلالتها في هذا العصر، وكذلك البيع والربا، والزواج والزنا، وهناك أمور يمكن أن تتبدل بتبدل وسائل الحياة، و منهاما كان مختصاً بالعرف والعادة، كوسائل النقل وألوان الأطعمة واللباس التي تعود بالخير والنفع للإنسان.
5- أ-فضيلة الشيخ هناك من يقول أننا يمكن أن نستمد الأحكام من القرآن والسنة مباشرة كما كان الصحابة والتابعون يفعلون ودون الحاجة إلى المذاهب التي وجدت متأخرة أصلاً؟
إن الكتاب والسنة هما الأصلان الأصيلان لاستنباط الأحكام، انطلاقاً من قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، فالردُّ إلى الله يكون بالرد إلى كتابه، والردُّ إلى الرسول يكون بالردُّ إلى سنته، ولكن هناك أصول وقواعد في التعامل معهما، من أتقنها حق له القيام باستمداد الأحكام منهما مباشرة، وهذا يكون عبر معرفته بآيات الأحكام، وما يتعلق بناسخ القرآن ومنسوخه، كما يتطلب ذلك علماً بأحاديث الأحكام، وتمكنا في اللغة العربية، ودراسة لعلم أصول الفقه، فمن تحققت فيه شروط الاجتهاد فواجبه الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة.
أما من لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد، فواجبه استفتاء العلماء، وتقليد الأئمة المجتهدين امتثالاً لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)،
ب) ولكن سيدي إن هذه المذاهب قد وجدت من حوالي الألف عام وقد استجد في الحياة كثير من الأمور فلماذا الوقوف عندها؟
إن نشأة المذاهب قبل ألف عام لا يعني إلغاؤها، ذلك لأن اجتهادات الأئمة لا تموت بموت أصحابها، خاصة وأن الذين صدرت عنهم هذه الاجتهادات هم ممن اتفقت الأمة على عدالتهم، ومتانة دينهم، وقد تمذهب على مذاهبهم، وتعبد الله بفتاويهم آلافٌ بل وملايين من العلماء والعارفين على مدى التاريخ.
أما القضايا الجديدة فواجب علماء الأمة البحث فيها، والنظر في أحوالها لاستخراج الحكم الشرعي المناسب لها، وإن من يتربى على كتب الفقه، ويمارس ذلك بفاعلية وإتقان، تصبح عنده ملكة فقهية، يستطيع من خلالها الوصول إلى الأحكام المناسبة لكل المستجدات الحديثة.
ب)سيدي هل يحتاج المسلم إلى التمذهب على أحد المذاهب وقراءة كتب مذهبه حتى يقوم بما طلب منه.
طالما أن المسلم المعاصر لم تتوفر فيه أهلية الاجتهاد، فواجبه سؤال أهل العلم واتباعهم، ولعل أفضل طريقة لطلبة العلم والمثقفين التفقه على مذهب من المذاهب، ودراسة كتاب معاصر مبسط متخصص، والالتزام بما جاء فيه بعيداً عن التعصب والجمود، وذلك للأسباب الآتية: 1-أن الله هيأ لهذه المذاهب وخاصة المذاهب الأربعة علماء أجلاء، وفقهاء متقنين قاموا على خدمتها، وحرروا أقوالها 2-أنها تقرب أحكام الكتاب والسنة لأنها تنهل من معينهما، وتسهل على القارئ فهمها 3-إن التزام المذهب الواحد عند ابتداء طلب العلم يجعل صاحبه في رسوخ من الفقه، وتثبت من الأحكام فلا يقع في حيرة واضطراب.
ولا أبالغ إذا ما قلت إننا في هذا العصر أشد ما نكون في حاجة إلى التزام مذهب فقهي معتبر، حيث إن وسائل الإعلام من قنوات وصحف ومجلات تستضيف علماء وفقهاء، كل يفتي حسب مذهبه وقناعته، والمتلقي يسمع من هنا وهناك، آراءا متعددة وأحياناً متعارضة، فيقع في تشتت وتناقض فلا يدري من يتبع، وعندما يكون ملتزماً بمذهب فلن يقع في ذلك.
6- أ-فضيلة الشيخ: يقال إن الحق واحد لا يتعدد، ولكنه في الفقه الاسلامي يتعدد وأنتم تقولون الحكم ونقيضه صحيحان، قد يصعب على العقل تقبل هذا؟
اتفق العلماء على أن أصول الدين وأركان الإسلام، الحق فيها واحد لا يتعدد، والمصيب فيها واحد بعينه مثاب، والمخطئ آثم محاسب، كمسألة الإيمان بالله واليوم الآخر، ومسألة وجوب الصلاة على المكلف.
أما الفروع الفقهية التي لا تستند لدليل قطعي فهي محل الاجتهاد، وجمهور العلماء على أن الحق فيها واحد، والمصيب واحد له أجران، والمخطئ له أجر، وما توصل إليه اجتهاد المجتهد هو الحق الواجب عليه اتباعه، فهو بحسب تصوره واجتهاده حق لا يحيد عنه، وهو حكم الله في حقه، وفي حق مقلديه ومن اتبعه، وليس معنى هذا أن الحكم ونقيضه صحيحان، بل الحق فيها نسبي، ومثاله أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال للصحابة: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فمنهم من أخذ بظاهر الكلام فلم يصل العصر إلا بعد وصوله لبني قريظة، وكان ذلك بعد المغرب، ومنهم من أخذ بفحوى النص، هو السرعة في الذهاب، فنزل وصلى العصر في الطريق، وقد أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم الفريقين، وفي هذا توسعة على الأمة، وتيسير عليها.
ب)ولكن هذه المذاهب قد أورثت في فترات من التاريخ نوعاً من العصبية والتفرقة بين المسلمين.
الالتزام بالمذهب شيء، والتعصب المذهبي شيء آخر، الالتزام بالمذهب يعني اتباع مجتهد أعتقد فيه العلم والتقوى، مع احترامي لبقية المذاهب، وجواز تقليدها لحاجة، أما التعصب المذهبي فهو ممقوت بكل أشكاله، وذلك عندما يقصر الحق على رأي إمامه، ويريد أن يلزم الآخرين بذلك، ويضيق ذرعاً بمخالفيه.
ج) ولكن لماذا لا يجتمع العلماء على وضع فقه واحد صالح لكل الناس، وفيما يلزم فقط، دون تفصيل في المسائل التي فات زمنها.
إن الدعوة لفقه واحد في ظاهرها براقة مفيدة، ولكنها تؤدي إلى نتائج سلبية، لأننا بذلك نريد أن نضع قوالب محددة للعقول، تفهم فهماً واحداً، وتفكر تفكيراً محدداً في تناول دلالات الآيات والأحاديث واللغة، وهذا خلاف ما فطر الله عليه العقول والأفهام، وهذا يجعلنا لا نحيد عن قول واحد في جميع مجالات العبادة والمعاملات، وفي هذا تعسير على الأمة، لذلك رفض الإمام مالك رحمه الله ما عرض عليه أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على التقيد بما جاء في كتابه "الموطأ" فقال له: (لا تفعل يا أمير المؤمنين فإن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار، وإن تفعل تكن فتنة).
7- يقول البعض إن المسلمين قد بالغوا في التفصيل والتعقيد في العلوم الشرعية بقصد وجود طبقة كهنوتية تحتكر الحكم والفتوى، إن الصحابة أنفسهم لا يستطيعون تأليف كتاب في العقيدة والفقه والمواريث كالموجودة اليوم، فما الذي يرد به على هؤلاء؟
ينبغي ألا نتسرع في إصدار مثل هذه الأحكام الجائرة على الجهود الرائعة التي خلفها لنا علماء الأمة، لأننا بذلك نقابل إحسانهم بالنكران، وإذا كانت طريقة التأليف في تلك العصور قد شاعت بهذه المنهجية فلماذا نلومهم؟ وهل من العدل أن نقارن أساليبهم مع أساليبنا المعاصرة في التأليف، دون مراعاة لغة وأسلوب كل عصر.
ولم يكن العلم يوما محتكراً لطبقة معينة في تاريخ الأمة الإسلامية، وهذه كتب التاريخ امتلأت بحياة العلماء من شتى طبقات المجتمع، وهذا تشويه لتاريخ أمتنا، وتشبيهه بالمجتمعات الغربية عندما كانت تعيش تحت مطرقة القساوسة وسندان الملك.
أما ما ذكرتموه عن الصحابة واستطاعتهم للتأليف في الفقه والعقيدة فإنها مغالطة صادرة عن جهل مركب بنشأة العلوم وتطورها، وعدم معرفة بالأسباب التي أدت إلى تدوينها، فكيف تريد من الصحابة أن يردوا على من يقول بأزلية المادة ولم يكن ذلك منتشراً بينهم، وكيف تريد منهم أن يحلوا مسألة من مسائل المناسخات في علم الميراث ولم تحدث حالة واحدة ذات صلة في عصرهم.
8-تصدر كل يوم فتاوى شاذة، أولاً نريد أن نسأل ما هي ضوابط إصدار الفتاوى ومن هو الشخص المؤهل للإفتاء، أريد منكم ضرب أمثلة مع التأصيل لكي نفهم ما هي الآلية التي تنتج هذه الفتاوى الشاذة!
إننا أمام واقع مرير يستدعي المعالجة، ولعل هذه المشكلة تكمن في جهتين: 1- المستفتون الذين يظنون أن كل متحدث في الدين أو داعية أهلً للفتوى، فليس كل من درس في التفسير والحديث والدعوة أصبح أهلاً للفتيا، فهناك مواصفات للمفتي، وهو العالم الفقيه، المنضبط بتعاليم الكتاب والسنة وأقوال أئمة الاجتهاد، ذو يقظة ووعي، متمرس بالفتوى على أيدي علماءموثوقين.
2-أولئك الذين يتجرؤون على الفتوى، ويتحمسون للإجابة على أسئلة المستمعين، ولم يأخذوها من كتب الفقه والفتوى المعتمدة، وقد غاب عن هؤلاء أن الفتوى في حقيقتها إخبار عن الله فإن لم يكن على علم ويقين بما يفتي للناس فإنه يكذب على الله.
ولعل أهم أسباب هذه الفتاوى الشاذة هي: حب الشهرة، كالفتوى التي صدرت عمن يجيز رضاعة الرجل من المرأة، أو ارضاء أذواق الناس، ومسايرة لهم كالفتوى التي أباحت للمرأة المسلمة الزواج من الكتابي، أو إرضاءا لجهات معينة من أصحاب النفوذ والسلطان كالفتوى بإباحة الفوائد البنكية.
شكرا لكم سيدي قد اثقلنا عليكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























